أبي الفرج الأصفهاني
329
الأغاني
كان إبراهيم شديد الانحراف عن عليّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه ؛ فحدّث المأمون يوما أنه رأى عليّا في النوم ، فقال له : من أنت ؟ فأخبره أنه عليّ بن أبي طالب . قال : فمشينا حتى جئنا قنطرة فذهب يتقدّمني لعبورها ؛ فأمسكته وقلت له : إنما أنت رجل تدّعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحقّ به منك ! فما رأيت له في الجواب بلاغة كما يوصف عنه . فقال : وأيّ شيء قال لك ؟ فقال : ما زادني على أن قال سلاما سلاما . فقال له المأمون : قد واللَّه أجابك أبلغ جواب . قال : وكيف ؟ قال : عرّفك أنك جاهل لا يجاوب مثلك ؛ قال اللَّه عز وجل : * ( وإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ) * . فخجل إبراهيم وقال : ليتني لم أحدّثك بهذا الحديث . تمنى له الأمين طول العمر : أخبرني الكوكبيّ قال حدّثني المفضّل بن سلمة عن هبة اللَّه بن إبراهيم بن المهديّ عن أبيه قال : قلت للأمين يوما : يا أمير المؤمنين جعلني اللَّه فداءك ! فقال : بل جعلني اللَّه فداءك ؛ فأعظمت ذلك . فقال : يا عمّ لا تعظمه فإنّ لي عمرا لا يزيد ولا ينقص ؛ / فحياتي مع الأحبّة أطيب من تجرّعي فقدهم ، وليس يضرّني عيش من عاش بعدي منهم . غنى للأمين لحنا فطرب وطلب إليه أن يلقنه إحدى جواريه ، وقصة ذلك : حدّثني جحظة قال حدّثني هبة اللَّه بن إبراهيم بن المهديّ قال حدّثني أبي قال : كنت يوما بين يدي الأمين أغنّيه ؛ فغنّيته : صوت أقوت منازل بالهضاب من آل هند والرّباب خطَّارة بزمامها وإذا ونت ذلل [ 1 ] الرّكاب ترمي الحصاء بمناسم صمّ صلادمة صلاب قال : فاستحسن اللَّحن وسألني عن صانعه ؛ فعرّفته أن ابن جامع حدّثني عن سياط أنه لآبن / عائشة ؛ فلم يزل يشرب عليه لا يتجاوزه ، ثم انصرفنا ليلتنا تلك . ووافاني رسوله حين انتبهت من النوم وأنا أستاك ، فقال لي : يقول لك : بحياتي يا عمّ لا تشتغل بعد الصلاة بشيء غير الركوب إليّ . فصلَّيت وتناولت طعاما خفيفا وأنا ألبس ثيابي خوفا من رجوع رسوله ، وركبت إليه . فلما رآني من بعيد صاح بي : يا عمّ بحياتي : خطَّارة بزمامها فلمّا دخلت المجلس ابتدأته وغنّيته ؛ فأمر بإحضار صبيّة كان يتحظَّاها ، فأخرجت إليّ صبيّة كأنها لؤلؤة في يدها العود . فقال : بحياتي يا عمّ ألقه عليها ! فأعدته مرارا وهو يشرب ؛ حتى إذا ظننت أنها قد أخذته أمرتها أن تغنّيه فغنّته ، فإذا هو قد استوى لها إلَّا في موضع كان فيه وكان صعبا جدّا فجهدت جهدي أن يقع لها طلبا لمسرّته ، وكان حقيقا منّي بذلك ، فلم يقع لها البتّة . ورأى جهدي في أمرها وتعذّره عليها ، فأقبل عليها / وقد سكر ثم قال : نفيت من الرشيد وكلّ أمة لي حرّة وعليّ عهد اللَّه لئن لم تأخذيه في المرّة الثالثة لآمرنّ بالقائك في دجلة !
--> [ 1 ] ذلل : جمع ذلول وهو السهل المنقاد من الناس والدواب ، الذكر والأنثى فيه سواء .